سوق الانترنيت الموازي ودور الدولة في حماية مواردها وموارد الشركات الوطنية
يشهد قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في العراق تحولات متسارعة خلال العقد الأخير، مدفوعًا بتزايد الطلب على خدمات الإنترنت وتنامي الاعتماد على الاقتصاد الرقمي. هذا النمو لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة تفاعل معقد بين السياسات الحكومية، واستثمارات القطاع الخاص، والتطورات التكنولوجية العالمية. إلا أن هذا التقدم يواجه اليوم تحديًا استراتيجيًا يتمثل في بروز “سوق الإنترنت الموازي” خارج الأطر التنظيمية الرسمية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل السيادة الرقمية واستدامة الاقتصاد الرقمي الوطني
تشير المؤشرات الدولية على تطور العراق في جانب توفير خدمات الانترنيت تدريجياً خلال السنوات السابقة, وان مؤشر تطور خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات (IDI) والذي يصدر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) والذي يعتبر احد اهم المؤشرات قد أشار الى حصول العراق على (78.4/100) نقطة لعام 2025.
ان ارتفاع المؤشر الدولي تدريجيا كل سنة هو نتيجة الجهود التي بذلتها وزارة الاتصالات والشركات الوطنية في قطاع الاتصالات وخدمات الانترنيت في نشر خدمات الانترنيت بمختلف أنواعها سواء من خلال تقنية FTTH او ال Wireless بالإضافة الى تطوير خدمات الاتصالات والانترنيت من خلال شركات الهاتف النقال وانتقالها من الجيل الثالث الى الجيل الرابع عام 2021, بالإضافة الى الاستثمارات التي نفذتها وزارة الاتصالات والشركات المحلية الوطنية في تطوير البنى التحتية وبالأخص بعد جائحة كورنا وما تمخض عنها من حاجة الدول الى تامين خدمات الانترنيت والاتصالات بصورة كبيرة نتيجة الطلب المتزايد والثورة الرقمية الرابعة التي شهدها العالم.
واقع قطاع خدمات الانترنيت في العراق يشير الى ان العراق يستهلك بحدود 6Tbps (International Traffic) وهو اكبر بحوالي 12 مرة عما كان عليه عام 2020. ورغم هذه الزيادة كان هناك تلكأ في هذا النمو فمنتدى الاقتصاد العالمي كان يتوقع النمو للعراق في هذا المسار يصل الى 10Tbps في عام 2026. لذلك فان النمو المتسارع والطلب المتزايد لاستهلاك البيانات في العراق هو نتيجة طبيعية لتطور شبكات ال FTTH وانتقال الخدمات من تقنية 3G الى 4G والزيادة الكبيرة في استخدام التكنلوجيا في جميع مفاصل الحياة التعليمية والطبية والمالية وبقية الفعاليات الاقتصادية. فالبيانات تشير الى ان عدد المستخدمين لخدمات الانترنيت الثابت في العراق من خلال تقنية ال FTTH حوالي 1,800,000 مستخدم بينما عدد المستخدمين لخدمات الأنترنيت الثابت من خلال ال Wireless حوالي (2,000,000) مستخدم, وهناك توجه متسارع لانتقال المستخدمين من تقنية ال Wireless الى تقنية ال FTTH بفضل الاعتمادية والجودة. بالإضافة الى خدمات الانترنيت الثابت لشركات الهاتف النقال من خلال تقنية FWA/ Home wireless قد تكون حوالي (1,000,000( مستخدم.
ما اريد ان اشير اليه في هذا المقال هو أهمية حماية سوق الانترنيت في العراق وحماية مزودي هذه الخدمات (شركات القطاع الخاص المرخصة والعاملة في الجغرافية العراقية) كما يتم حماية واردات الدولة في سيطرتها على تنظيم سوق الانترنيت في العراق لما تمثله من أساس لتوفير خدمات الانترنيت للمستخدم النهائي موثوقة وامنة.
فقد ظهرت في الفترة الأخيرة ما يسمى بسوق الانترنيت الموازي خارج الاطار التنظيمي لوزارة الاتصالات وهيئة الاعلام والاتصالات, من خلال الانتشار الملحوظ لأجهزة استقبال خدمات الانترنيت عبر الأقمار الصناعية في المدار المنخفض للأرض (LOE) والتي توفرها شبكة الأقمار الصناعية التابعة لشركة Starlink, حيث انتشرت على مستوى السوق المحلي جهات تروج لبيع أجهزة الاستقبال لشركة ستارلنك بصورة متزايدة، فالمعلن على صفحات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي يكشف وجود عدة بائعين ومكاتب وصفحات عراقية نشطة تعرض بيع أجهزة ستارلنك وتقوم بالشحن إلى بغداد والمحافظات, بحيث تبدو هذه الجهات أقرب إلى مكاتب، صفحات تجارة إلكترونية، أو موزعين مستقلين والذين غالبًا عددهم في حدود 20–50 مكتبًا/محلًا/موزعًا إذا احتسبنا الباعة غير الظاهرين إعلاميًا.
المؤشرات الرسمية العراقية تشي إن الملف كان في مرحلة بحث الترخيص في أيلول 2024، ثم وصل إلى المراحل النهائية لمنح تراخيص الإنترنت الفضائي في كانون الأول 2025 خلال اجتماع رئيس الوزراء مع وفد SpaceX/Starlink وبحضور هيئة الإعلام والاتصالات. كذلك وردت تأكيدات على بحث متطلبات الترخيص الرسمي بما لا يتعارض مع السيادة الوطنية المعلوماتية. هذا يعني أن المسار الرسمي متقدم، لكن المصادر التي راجعتها لا تقدم إعلانًا واضحًا بأن الخدمة السكنية العامة أصبحت مطلقة رسميًا في العراق حتى تاريخ اليوم. فعلى الرغم من ان شركة ستارلنك لا تظهر العراق ضمن إعلانات “الإطلاق الرسمي” بينما توجد إشارات بحثية/سوقية إلى أن العراق يشهد traffic غير رسمي كبير نسبيًا عبر الاستخدام غير المعلن.
لقد ظهرت أدلة تشغيل فعلية داخل العراق من منصات قياس السرعة, فموقع TestMy.net أظهر 157 مستخدماً مرتبطين بخدمة Starlink في العراق مع 428 اختبارًا حديثًا، كما ظهرت نتائج سرعة لـ Starlink في بغداد على مواقع رصد سرعات عامة. هذه الأرقام لا تمثل عدد المشتركين، لكنها تثبت أن الاستخدام داخل العراق موجود عملياً. تشير التقديرات أن عدد الاشتراكات/الأجهزة النشطة فعليًا داخل العراق اليوم يقع تقريبًا بين 3,000 و8,000 اشتراك/جهاز نشط. وإذا قصدتَ “عدد الأشخاص المستفيدين” لا “الاشتراكات”، فقد يكون العدد أعلى بكثير لأن الجهاز الواحد قد يخدم منزلًا كاملًا أو مكتبًا أو مجموعة مستخدمين او كما يشاع اليوم من استخدام وكلاء التوزيع لخدمات الانترنيت أجهزة ستارلنك لبث الخدمة الى مشتركيهم. كما يقدّر أن عدد أجهزة ستارلنك التي دخلت العراق تراكميًا حتى الآن يقع تقريبًا بين 6,000 و15,000 جهاز.
الخطورة في سوق الانترنيت الموازي هو ان يتم بيع اشتراكات الانترنت عبر الاقمار الصناعية الى المستخدمين من خلال شبكات بث داخلية غير مرخصة ودون الحصول على الموافقات الأصولية من قبل وكلاء بيع الانترنيت الثابت المنزلي Wireless (استخدام الأجهزة لإعادة بث الإنترنت محليًا) وهذا ادى الى انخفاض ملحوظ في اعداد المشتركين الرسمين ووكلاء شركات الانترنت الرسميين المشتركين من خلال الشركة العامة للاتصالات والمعلوماتية التابعة لوزارة الاتصالات وشركائها الرسميين المرخصين وهذا الموضوع قد يؤدى الى خسائر كبيرة للشركة اضافة للشركات المتعاقدة معها قد يصل الى مليارات الدنانير شهرياً, وهذه الخسائر لا تقتصر على الدولة بل تشمل أيضا:
• شركات الاتصالات الوطنية
• مزودي خدمات الإنترنت المرخصين
• سلاسل التوزيع الرسمية
بالإضافة الى مشاكل امنية متوقعة
المسألة لا تقف عند الجانب الاقتصادي، بل تتعداه إلى بعد استراتيجي أكثر حساسية، وهو السيادة الرقمية كون هذه الخدمة غير مرخصة في العراق لحد الان وبدون أي سيطرة من قبل الدولة على محتوى البيانات التي تمر من خلالها وبالتالي عند توزيعها بصورة مباشرة الى المستهلكين خارج سيطرة المؤسسات الحكومية له اشارة خطيرة من ابرزها:
• فقدان السيطرة على تدفق البيانات حيث تمر البيانات خارج البوابات الوطنية المنظمة.
• غياب أدوات الحوكمة مثل الحجب، الترشيح، أو إدارة المحتوى.
• مخاطر أمنية نتيجة استخدام شبكات غير خاضعة للرقابة.
• تفكك المنظومة التنظيمية وظهور بيئة رقمية مزدوجة (رسمية وغير رسمية).
ان سوق الانترنيت الموازي ظاهرة بدأت بالانتشار بالفترة القليلة الماضية وهي ظاهرة مشابهة لسوق العملة او السوق الموازي للعملة بالعراق, وهذا مؤشر خطير يؤدي الى تدمير سوق الانترنيت بالعراق وخسائر اقتصادية كبيرة سواء للدولة او للشركات الوطنية التي تعمل تحث مظلة الدولة, حيث تشير بعض الإحصاءات ان عدد المشتركين المستفيدين من سوق الانترنيت عبر الأقمار الصناعية قد يتجاوز ال 100,000 مشترك وهذا يعني ان هناك استنزاف لموارد الدولة والشركات الوطنية المرخصة من قبل الدولة من إيرادات خدمات الانترنيت قد يصل باقل تقدير الى 3,5 مليار دينار شهرياً. فالخشية تتصاعد اكثر اذا تضخم هذا السوق الموازي واصبح بحجم مليون مشترك فان الخسائر قد تقترب من 35 مليار دينار عراقي شهرياً. يمكن تشبيه سوق الإنترنت الموازي بما يُعرف في العراق بـ “السوق الموازي للعملة”، من حيث:
• العمل خارج الأطر التنظيمية
• التأثير على الاقتصاد الرسمي
• صعوبة السيطرة عند التوسع
• الحاجة إلى تدخل حكومي حاسم
لكن الفارق الجوهري أن سوق الإنترنت يمس الأمن الوطني الرقمي، وليس فقط الاقتصاد.
بناء على ما تقدم, فان الدولة متمثلة بالقطاعات ذات العلاقة بالإضافة الى الشركات الوطنية المرخصة النظر بالموضوع على محمل الجد لحماية الموارد المالية المتحققة من قطاع الاتصالات وخدمات الانترنيت من الفوضى وكذلك حماية المجتمع من فوضى تنظيمية ورقمية قد يتم فقدان البوصلة الرقمية من خلالها ويصبح الفضاء الرقمي العراقي بدون أي سيادة رقمية.
الدكتور
ياسر الجوهر