6G الصين والجيل السادس
: من التجارب المختبرية إلى شبكات الاختبار الميدانية
✍️Dr. Yasir Jawhar
(6G) تتسارع الجهود العالمية لتطوير شبكات الجيل السادس للاتصالات
، وتبرز الصين بوصفها إحدى أكثر الدول تقدماً في هذا المجال، مستفيدة من استثمارات واسعة في البنية التحتية، والأبحاث الخاصة بالترددات العالية، والشرائح الفوتونية، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إنشاء منصات اختبار ميدانية لتقنيات ما قبل الجيل السادس.
ويتمثل أحد أبرز الاتجاهات التقنية في الانتقال نحو استخدام نطاقات ترددية أعلى من تلك المستخدمة في شبكات الجيل الخامس، ولا سيما نطاقات الموجات المليمترية وما فوق 100 غيغاهرتز، وصولاً إلى نطاقات التيراهيرتز. وتتيح هذه الترددات عرض نطاق ترددي واسعاً جداً، ما يفتح المجال نظرياً أمام سرعات نقل بيانات تصل إلى عشرات أو مئات الغيغابت في الثانية. إلا أن استخدامها يواجه تحديات مهمة، أبرزها ضعف مدى الإشارة، وصعوبة اختراق الجدران والعوائق، وتأثرها بالعوامل الجوية، ما يتطلب تطوير معماريات شبكية جديدة تعتمد على كثافة أعلى من نقاط الإرسال وتقنيات متقدمة لتوجيه الحزم.
ومن التطورات المهمة في هذا السياق، الأبحاث المتعلقة بالشرائح الفوتونية المتكاملة، التي تعتمد على تحويل ومعالجة الإشارات باستخدام تقنيات ضوئية بدلاً من الاعتماد الكامل على المعالجة الإلكترونية التقليدية. وتوفر هذه المقاربة إمكانية التعامل مع نطاقات ترددية واسعة ضمن منصات أصغر حجماً وأكثر تكاملاً، ما قد يسهم مستقبلاً في تقليل تعقيد معدات المحطات الراديوية ورفع كفاءتها.
كما سجلت الصين نتائج بحثية متقدمة في مجال الاتصالات فائقة السرعة. فقد أظهرت تجارب مختبرية إمكان تحقيق سرعات تتجاوز 200 غيغابت في الثانية ضمن نطاقات ترددية مرتفعة، فيما وصلت بعض الأنظمة الفوتونية التجريبية إلى سرعات تقارب 100 غيغابت في الثانية. غير أن هذه النتائج ينبغي النظر إليها بوصفها إنجازات بحثية وتجريبية، وليست سرعات متاحة حالياً 6G ضمن شبكات
. تجارية
وعلى المستوى الميداني، انتقلت الصين خلال عام 2026 إلى مرحلة أكثر تقدماً عبر تشغيل شبكة (Pre-6G) اختبارية لما قبل الجيل السادس
في مدينة نانجينغ. وتمثل هذه الشبكة بيئة حقيقية لاختبار تقنيات مرشحة للجيل السادس ضمن تطبيقات صناعية واتصالات متقدمة، لكنها لا تمثل بعد شبكة G6 تجارية بالمعنى المعياري الكامل، إذ لا تزال المواصفات الدولية للجيل السادس قيد التطوير ضمن إطار الاتحاد الدولي IMT-2030 للاتصالات
. حيث أن شبكة نانجينغ تمثل انتقالاً من التجارب المعملية إلى الاختبارات الميدانية الفعلية.
ويمتلك التقدم الصيني في هذا المجال بعداً استراتيجياً يتجاوز مسألة السرعة. فالصين تسعى إلى تعزيز موقعها في براءات الاختراع، وتطوير الشرائح والمعدات، والمشاركة المؤثرة في صياغة المعايير الدولية، مستفيدة من قاعدة ضخمة من شبكات الجيل الخامس والبنية التحتية الرقمية. وفي المقابل، تتسارع برامج البحث والتطوير في الولايات المتحدة وأوروبا وكوريا الجنوبية واليابان لضمان حضورها في السباق العالمي نحو الجيل السادس.
ومن الناحية التقنية، ما تزال هناك تحديات أساسية أمام الاستخدام التجاري الواسع لتقنيات
6G
، تشمل إدارة الطيف، وكفاءة الطاقة، والتغطية، والاستدامة الاقتصادية للبنية التحتية، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، إضافة إلى الحاجة إلى تكامل الاتصالات مع الذكاء الاصطناعي والاستشعار والحوسبة الطرفية.
وخلاصة الأمر أن ما يجري في الصين لا يعني أن شبكات الجيل السادس أصبحت جاهزة تجارياً، لكنه يشير بوضوح إلى انتقال هذه التكنولوجيا من مرحلة البحث النظري إلى مرحلة النماذج الأولية والاختبارات الميدانية. وتكمن أهمية هذا التحول في أنه سيؤثر مستقبلاً في بنية شبكات الاتصالات، ومعايير الطيف، وصناعة المعدات والشرائح، وموازين المنافسة التكنولوجية العالمية، ما يجعل متابعة تطورات
6G
والاستعداد لها مبكراً ضرورة استراتيجية لقطاع الاتصالات في أي دولة
