الاقتصاد الرقمي في العراق.. هل نمتلك البيانات قبل أن نتحدث عن الرقمنة؟

الاقتصاد الرقمي في العراق.. هل نمتلك البيانات قبل أن نتحدث عن الرقمنة؟
د. محمد عصمت البياتي

أصبح مصطلح الاقتصاد الرقمي حاضراً بقوة في الخطاب الحكومي والإعلامي في العراق، وتزايد الحديث عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والحكومة الإلكترونية والمنصات الذكية، بوصفها ركائز أساسية لمستقبل الدولة وتطوير مؤسساتها. وهذا التوجه يمثل خطوة مهمة ومطلوبة، إلا أن هناك سؤالاً جوهرياً ينبغي أن يسبق كل هذه الطموحات
ما الذي نريد رقمنته، وعلى أي أساس سنبني قراراتنا، إذا لم نمتلك بيانات دقيقة ومتكاملة وموثوقة وقابلة للتحليل؟
إن التحول الرقمي لا يبدأ بشراء الأنظمة والتطبيقات، ولا بإطلاق المنصات الإلكترونية، ولا حتى بأتمتة الإجراءات التقليدية؛ بل يبدأ من امتلاك المعرفة الدقيقة بواقع المؤسسات، وإدارة البيانات التي تعكس هذا الواقع، وبناء منظومة قادرة على تحويل المعلومات إلى قرارات وسياسات ذات قيمة اقتصادية وتنموية

البيانات.. الأصل الاستراتيجي للاقتصاد الرقمي
في الاقتصاد الحديث، لم تعد البيانات مجرد سجلات إدارية أو معلومات محفوظة في قواعد إلكترونية، بل أصبحت أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدول، ومصدراً أساسياً للقيمة الاقتصادية والتنافسية المؤسسية
وإذا كان النفط قد شكّل لعقود طويلة المحرك الأساسي للاقتصاد العراقي، فإن البيانات تمثل أحد أهم الموارد التي يمكن أن تؤسس لاقتصاد المستقبل، شريطة إدارتها واستثمارها بصورة علمية ومؤسسية
لكن امتلاك البيانات وحده لا يكفي؛ فالقيمة الحقيقية تكمن في جودتها، ودقتها، وتكاملها، وتحديثها، وإمكانية تبادلها وتحليلها، فضلاً عن حمايتها وضمان استخدامها وفق الأطر القانونية والأخلاقية
فبيانات غير دقيقة تقود إلى قرارات غير دقيقة، وقواعد بيانات متضاربة تنتج سياسات متناقضة، ومؤسسات لا تتبادل المعلومات ستظل تعمل ضمن جزر إدارية منفصلة، مهما بلغت درجة تطور أنظمتها التقنية

حوكمة البيانات تسبق أتمتة المؤسسات
من أبرز التحديات التي تواجه التحول الرقمي في العراق تعدد قواعد البيانات، وتكرار المعلومات، واختلاف المعايير والتصنيفات بين المؤسسات الحكومية، فضلاً عن غياب التكامل المؤسسي في بعض القطاعات وعدم وضوح المسؤوليات المتعلقة بملكية البيانات وإدارتها وتحديثها
لذلك، فإن الأولوية ينبغي أن تتجه نحو تأسيس إطار وطني متكامل لحوكمة البيانات، يحدد المسؤوليات والصلاحيات والمعايير وآليات المشاركة والتبادل، ويضمن جودة البيانات وسريتها وأمنها واستدامتها
كما يتطلب ذلك الانتقال من مفهوم الإدارة التقليدية للملفات والسجلات إلى مفهوم الإدارة المؤسسية للبيانات، بحيث تصبح البيانات أصلاً وطنياً منظماً، وليس ملكية إدارية منعزلة لكل مؤسسة
إن حوكمة البيانات ليست مسألة تقنية تخص دوائر تكنولوجيا المعلومات وحدها، بل هي مسؤولية إدارية وقانونية وتنظيمية تتطلب التزام القيادات العليا، وتنسيقاً بين المؤسسات، وتشريعات واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس
لا يمكن بناء ذكاء اصطناعي على بيانات غير موثوقة
مع التوسع العالمي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري أن ندرك أن كفاءة هذه التقنيات لا تعتمد فقط على قوة الخوارزميات أو تطور النماذج، وإنما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة البيانات التي تتغذى عليها
فلا يمكن بناء أنظمة ذكية للتنبؤ بالاحتياجات الوظيفية، أو تحليل الإنفاق العام، أو تحسين الخدمات، أو إدارة الموارد الوطنية، اعتماداً على بيانات ناقصة أو متضاربة أو غير محدثة
والذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع أن يعالج تلقائياً جميع الاختلالات المتراكمة في البيانات والمؤسسات؛ بل قد يؤدي استخدامه على بيانات ضعيفة إلى مضاعفة الأخطاء وتسريع إنتاج قرارات غير سليمة
ومن هنا، فإن بناء اقتصاد رقمي حقيقي يتطلب تأسيس بنية وطنية للبيانات، قادرة على دعم التحليلات المتقدمة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وصناعة القرار المبني على الأدلة

من رقمنة الإجراءات إلى إعادة هندسة الدولة
ثمة فرق جوهري بين أتمتة الإجراءات القائمة وبين التحول الرقمي الحقيقي
فالأتمتة قد تنقل المعاملة الورقية إلى شاشة إلكترونية، لكنها لا تعني بالضرورة تطوير الخدمة أو اختصار الوقت أو تقليل الكلفة أو القضاء على التعقيد الإداري
أما التحول الرقمي الحقيقي فيبدأ بإعادة النظر في الإجراءات والهياكل التنظيمية، وإزالة التكرار والتداخل في الاختصاصات، وإعادة تصميم الخدمات على أساس احتياجات المواطن والمؤسسة والاقتصاد
إن رقمنة إجراء غير كفوء لا تجعله إجراءً كفوءاً، بل قد تنقل التعقيد من البيئة الورقية إلى البيئة الإلكترونية
ولهذا فإن التحدي أمام المؤسسات الحكومية ليس في عدد المنصات التي تطلقها، وإنما في مقدار التحسن الفعلي الذي تحققه في جودة الخدمات، وكفاءة الإنفاق، وسرعة الإنجاز، والشفافية، والإنتاجية
ما الذي يحتاجه العراق للانتقال إلى اقتصاد رقمي مستدام؟
:إن الانتقال من الخطاب النظري إلى التنفيذ العملي يتطلب رؤية وطنية متكاملة ترتكز على مجموعة من الأولويات
بناء منظومة وطنية لحوكمة البيانات: تتضمن معايير موحدة لجمع البيانات وتصنيفها وتحديثها وتبادلها –
وتحديد الجهات المسؤولة عن إدارتها وجودتها
تأسيس بنية تكامل حكومي للبيانات: تتيح تبادل المعلومات بين المؤسسات وفق ضوابط قانونية وأمنية واضحة –
وتحد من الازدواجية وتكرار طلب البيانات من المواطنين
إنشاء قواعد بيانات قطاعية موثوقة ومترابطة: تشمل الموارد البشرية، والمالية العامة، والضرائب، والجمارك –
والمنافذ الحدودية، والصحة، والتعليم، والاستثمار، وغيرها من القطاعات الحيوية
تعزيز الهوية الرقمية والتصنيف والترميز الموحد: لضمان دقة التعريف بالأفراد والمؤسسات والمعاملات –
والأصول الحكومية، وتحقيق التكامل بين الأنظمة
إرساء حوكمة مؤسسية للتحول الرقمي: من خلال تحديد المسؤوليات، وربط المشاريع بأهداف استراتيجية –
ومؤشرات أداء واضحة، وضمان التنسيق بين الجهات المعنية
تعزيز الأمن السيبراني والسيادة الرقمية: لحماية البيانات الوطنية والبنية التحتية الرقمية، وضمان استمرارية –
الخدمات والتحكم المؤسسي في إدارة الأصول الرقمية
الاستثمار في رأس المال البشري: لأن التحول الرقمي ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل تغيير مؤسسي وثقافي –
يتطلب قيادات واعية وكفاءات متخصصة وقدرات وطنية مستدامة
ربط الاقتصاد الرقمي بالإنتاج والاستثمار: من خلال دعم الابتكار وريادة الأعمال، وتطوير الخدمات –
المالية الرقمية، وتحفيز القطاع الخاص، وتوفير بيئة تشريعية وتنظيمية جاذبة للاستثمار التكنولوجي

الخلاصة.. لا اقتصاد رقمي بلا بيانات، ولا بيانات ذات قيمة بلا حوكمة
إن العراق يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الموارد التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجية، يستثمر التكنولوجيا والمعرفة والبيانات في تطوير مؤسساته وتحفيز قطاعه الخاص وخلق فرص اقتصادية جديدة
لكن تحقيق هذه الفرصة يتطلب الانتقال من ثقافة الإعلان عن المشاريع الرقمية إلى ثقافة بناء المنظومات المستدامة، ومن قياس النجاح بعدد التطبيقات والمنصات إلى قياسه بمقدار القيمة التي تضيفها إلى الاقتصاد والمجتمع
فالتحول الرقمي ليس سباقاً في اقتناء التكنولوجيا، بل هو مشروع لإعادة بناء الدولة على أساس البيانات والمعرفة والكفاءة والحوكمة
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تكون حاضرة في جميع مشاريعنا الرقمية هي أن أتمتة الإجراءات دون إصلاحها، ورقمنة المؤسسات دون تكامل بياناتها، واستخدام الذكاء الاصطناعي دون ضمان جودة مدخلاته، لن يقود إلى اقتصاد رقمي حقيقي، بل قد يحول الاختلالات التقليدية إلى اختلالات رقمية أكثر سرعة وتعقيداً
إن نقطة الانطلاق الصحيحة للعراق ليس السؤال: كم منصة إلكترونية أنشأنا؟ بل السؤال: هل نمتلك بيانات موثوقة تمكّننا من فهم واقعنا، وقياس أدائنا، وتوجيه مواردنا، واتخاذ قراراتنا، وصناعة مستقبلنا؟
فعندما تصبح البيانات موثوقة، والحوكمة راسخة، والمؤسسات متكاملة، والتكنولوجيا موظفة لخدمة أهداف واضحة، عندها فقط نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لاقتصاد رقمي عراقي مستدام

https://www.facebook.com/share/p/1KW6MRZE4G/