د. مظهر محمد صالح
١- تمهيد
ثمة وثيقتان بالغتا الأهمية شكّلتا محورًا في تطور العلاقة بين الفكر الكنسي الكاثوليكي والتحولات التكنولوجية التي رافقت مرحلتين مفصليتين من التاريخ الصناعي الحديث.
ففي عرض نادر وعميق الدلالة، قدّم الأستاذ الدكتور زياد الشيخلي قراءة حضارية مقارنة بين وثيقتين بابويتين تحت عنوان:
كيف يواجه الفاتيكان عصر الذكاء الاصطناعي؟
الوثيقة الأولى هي الوثيقة البابوية الشهيرة
Rerum Novarum
أي: «في شؤون التحولات الجديدة»، التي أصدرها البابا ليو الثالث عشر في العام 1891 إبّان الثورة الصناعية الأولى، حين حاولت الكنيسة آنذاك فهم آثار الآلة الصناعية والرأسمالية على الإنسان والعمل والطبقات الاجتماعية.
كانت تلك الوثيقة بمثابة أول محاولة كبرى لإدخال العدالة الاجتماعية إلى قلب النقاش الرأسمالي الحديث، إذ أدركت الكنيسة مبكرًا أن الرأسمالية الصناعية لا تعيد تشكيل الاقتصاد فحسب، بل تعيد تشكيل الإنسان نفسه وعلاقته بالعمل والزمن والقيمة.
أما اليوم، فإن العالم يعود ليعيش ثورة صناعية أُخرى ، ولكن داخل العقل البشري ذاته، لا داخل المصنع فقط.
ومن هنا جاءت الوثيقة الثانية وهي تحت عنوان: (عظمة الإنسانية-
( Magnifica Humanitas
التي أصدرها البابا ليو الرابع عشر خلال الأيام الماضية، بوصفها واحدة من أكثر النصوص الدينية والفكرية إثارة للاهتمام في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي.
فالوثيقة ليست رسالة كنسية تقليدية، بل محاولة فلسفية وأخلاقية عميقة لإعادة تعريف معنى الإنسان في عصر بدأت فيه الآلة تزاحم العقل البشري ذاته.
واللافت أن البابا ليون الرابع عشر اختار عنوان:
Magnifica Humanitas
أي: «عظمة الإنسانية» أو «الإنسانية الرائعة»، وكأنه يريد منذ البداية إعادة وضع الإنسان في مركز العاصفة الرقمية الحالية.
ويستطرد الأستاذ الدكتور تحسين الشيخلي في قراءة الوثيقة، مؤكدًا أن النص لا يناقش الذكاء الاصطناعي من زاوية تقنية ضيقة، بل من زاوية أنثروبولوجية وروحية وفلسفية عميقة ،حيث إن القضية لم تعد قضية أدوات، بل قضية معنى الوجود الإنساني نفسه.
فالوثيقة تعترف بوضوح بأن الذكاء الاصطناعي قادر على تقديم فوائد هائلة للبشرية في الطب والتعليم والإدارة والبحث العلمي، لكنها تحذر في الوقت ذاته من أن الخطر لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في “إرادة القوة” الكامنة خلفها، على حد تعبير فردريك نيتشه Friedrich Nietzsche، أي في الكيفية التي يمكن أن تتحول بها التكنولوجيا إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة والسيطرة وعدم المساواة.
وهنا تستعاد بصورة غير مباشرة تحذيرات الفيلسوف الالماني مارتن هيغر Martin Heidegger حين رأى أن التقنية الحديثة ليست مجرد أدوات محايدة، بل نمطًا كاملًا من أنماط كشف العالم، بحيث يتحول الإنسان نفسه إلى “مورد” داخل المنظومة التقنية.
٢- تطور الاقتصاد السياسي الكنسي وتحولات الرأسمالية.
لقد شكّل ما طرحه الدكتور تحسين الشيخلي مدخلًا عميقًا لاعادة قراءة الاقتصاد السياسي الكنسي، من خلال موقف الكنيسة الكاثوليكية دون ان نغفل الكنيسة البروتستانتية من الرأسمالية في مراحل تطورها الصناعي والتكنولوجي.
وبهذا فان القضية التعددية في الاقتصاد السياسي الكنسي ، لا تقل أهمية على الضفة الأخرى من المسيحية، ولاسيما الكنيسة البروتستانتية، يوم تناول عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر
Max Weber
في كتابه الشهير الصادر في العام 1904 تحت عنوان : الاخلاق البروستانتية وروح الراسمالية
The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism
الذي يحاكي العلاقة بين القيم البروتستانتية ونشوء الرأسمالية الحديثة .
فقد رأى فيبر أن أخلاق العمل البروتستانتية، ولاسيما في نسختها الكالفينية، أسهمت في إنتاج الروح النفسية والثقافية للرأسمالية الصناعية الحديثة، حيث أصبح العمل نوعًا من “الرسالة الأخلاقية” لا مجرد نشاط اقتصادي.
واليوم، ومع انتقال الرأسمالية المركزية إلى عصر الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، يبدو أن العالم بحاجة إلى “ماكس فيبر ثانٍ” يفسّر التحولات الجديدة التي تقود الرأسمالية في مرحلتها التقنية المعاصرة، ويعيد قراءة العلاقة بين التكنولوجيا،والثقافة،والدين،
والسلطة، والرأسمالية الرقمية.
فإذا كانت البروتستانتية قد أنتجت “أخلاق المصنع”، فإن الرأسمالية الخوارزمية الجديدة تبدو وكأنها تنتج “أخلاق المنصة الرقمية”.
٣- ماكس فيبر الثاني: من أخلاق العمل إلى أخلاق الخوارزمية
في هذا السياق يمكن النظر إلى ايلون ماسك
Elon Musk
بوصفه نموذجًا رمزيًا قريبًا مما يمكن تسميته:
Max Weber II
“ماكس فيبر الثاني”.
نشأ إيلون ماسك في بيئة انكليكانية بروتستانتية ، لكنه انتقل لاحقًا إلى فضاء فكري جديد يقوم على إعادة تعريف الإنسان ذاته عبر التكنولوجيا.
وبذلك لا تعود التكنولوجيا مجرد أدوات لتحسين الحياة، بل تصبح مشروعًا حضاريًا لإعادة هندسة الطبيعة البشرية نفسها.
ومن هنا تبرز مشاريع: الربط العصبي، اي الوصلة بين العقل البشري والحاسوب
Neuralink
بوصفها التعبير الأكثر وضوحًا عن هذا التحول، ولاسيما مع الاتجاه نحو تطوير:
• Brain Chip،
• Neural Implant،
• Brain–Computer
بحيث يستطيع الدماغ التواصل مباشرة مع الأجهزة الرقمية والذكاء الاصطناعي المسماة BCI اي :واجهة الربط البيني بين الدماغ والحاسوب Brain–Computer Interface كذلك
ومنها مايسمى (بتكامل الذكاء الاصطناعي- الانساني Human-AI Integration) ولاسيما التطور الحاصل في
تقنيات الإنسان السيبراني- Cyborg Technology
أو “تقنيات الكائن الهجين بين الإنسان والآلة”
إنها بداية مرحلة جديدة من التكامل بين الإنسان والآلة، حيث يصبح الدماغ البشري متصلًا مباشرة بالمنظومات الرقمية.
٤- المعرفة الرقمية وفلسفة السلطة .
وهنا نستعيد أطروحات الفيلسوف ومؤرخ الأفكار وعالم الاجتماع الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault
1926-1984 الذي يُعدّ أحد أبرز مفكري القرن العشرين وأكثرهم تأثيرًا في الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية, والذي ناقش
تطور العلاقة بين (المعرفة والسلطة ) .
فالمعرفة الرقمية اليوم لم تعد مجرد معرفة، بل أصبحت بنية للضبط والتحكم وإدارة السلوك البشري. ولهذا استُخدمت أفكار فوكو كثيرًا اليوم لفهم: الخوارزميات، و البيانات الضخمة،
و الذكاء الاصطناعي ورأسمالية المراقبة.
كما تستعاد أيضًا تحليلات Shoshana Zuboff في مفهوم راسمالية المراقبة-
Surveillance Capitalism
حيث تتحول البيانات البشرية والوعي الإنساني ذاته إلى مادة خام للرأسمالية الرقمية.
فإذا كانت الرأسمالية الصناعية قد استثمرت الجسد البشري، فإن الرأسمالية الخوارزمية الجديدة تستثمر:الوعي،والانتباه،والذاكرة،
والسلوك،وحتى العاطفة الإنسانية في حزمة واحدة.
٥-بناء المسيحية الثقافية اوما بعد الإنسان..!
اللافت أن إيلون ماسك
Elon Musk
لم يكتفِ بالتحول التكنولوجي، بل طرح أيضًا تصورًا ثقافيًا جديدًا للمسيحية تحت مفهوم المسيحية الثقافية –
Cultural Christianity
أي الارتباط بالمسيحية بوصفها هوية حضارية وثقافية وتاريخية، لا باعتبارها التزامًا عقائديًا تقليديًا.
ومن الممكن النظر إلى هذا الاتجاه بوصفه امتدادًا متحوّلًا للإصلاح البروتستانتي، ولكن عبر مدخلات عصر جديد تحكمه:
الرأسمالية الرقمية والخوارزمية،والذكاء الاصطناعي.
إننا هنا أمام انتقال تاريخي من:
أخلاق العمل الصناعي
إلى: أخلاق الذكاء الاصطناعي.
ومن:
الإنسان المنتج
إلى:
الإنسان المعزَّز تقنيًا.
وهنا تظهر بوضوح فلسفات (مابعد الانسانية –
(Transhumanism
التي ترى أن التكنولوجيا الرقمية قادرة على تجاوز الحدود البيولوجية للإنسان.
وهو ما يعيد إلى الأذهان سؤال الفيلسوف الألماني Jürgen Habermas :
هل تستطيع الحداثة التقنية أن تستمر من دون أساس أخلاقي وإنساني يحمي معنى الإنسان نفسه؟ ومن هذا السؤال ننتقل الى المرحلة اللاحقة .
[٢٧/٥, ١٢:٥٣ م] د. مظهر. البنك المركزي: ٦- مرحلة تكامل الكنيسة بين الروح والخوارزمية
لقد أصبح الفكر الكنسي، بشقيه:
الكاثوليكي،والبروتستانتي،
أمام تحدٍ تاريخي يتمثل في إعادة إنتاج خطابه الديني بما ينسجم مع التحولات العميقة التي تقودها التكنولوجيا والرأسمالية المعاصرة.
فالكنيسة الكاثوليكية تحاول الدفاع عن الكرامة الإنسانية في مواجهة هيمنة التقنية، بينما يبدو أن أجزاءً من العالم البروتستانتي الأنكلوسكسوني تميل إلى احتضان الثورة الرقمية بوصفها امتدادًا طبيعيًا لفكرة التقدم والعمل والسيطرة على الطبيعة.
ولعل هذا ما يجعل عصر الذكاء الاصطناعي أقرب إلى صراع حضاري بين:
أخلاق الإنسان،
وأخلاق الخوارزمية.
٧- ختامًا: البروتستانتية و عصر ماكس فيبر الثاني
إن الكنيسة البروتستانتية، بوصفها النظير التاريخي للكنيسة الكاثوليكية، بدأت هي الأخرى تدخل عصرها الرقمي والاجتماعي والإنساني، ولكن هذه المرة من بوابة:
الخوارزمية،
والذكاء الاصطناعي،
والرأسمالية الرقمية.
وفي عالم لا يتوقف عن التقدم العلمي، قد لا يكون “البابا الرقمي” الجديد رجل دين تقليديًا، بل قادة التكنولوجيا الكبار أنفسهم، ممن يمتلكون سلطة تشكيل:
الوعي،
والمعرفة،
والاتصال،
والخيال البشري.
وهكذا، فإن “عصر ماكس فيبر الثاني” ليس مجرد توصيف أدبي، بل محاولة لفهم الانتقال التاريخي الكبير
من:روح الرأسمالية الصناعية
إلى:روح الرأسمالية الخوارزمية.
وهو انتقال قد يعيد صياغة معنى التفاعل بين الإنسان والحضارة والدين معًا في القرن الحادي والعشرين.
بغداد
27 – مايس-2026