طاقات الدفع المسبق في العراق… رحلة تقنية تحوّلت إلى فوضى وفساد وقلق يومي

بطاقات الدفع المسبق في العراق… رحلة تقنية تحوّلت إلى فوضى وفساد وقلق يومي

لم يكن العراقيون يتوقعون أن تتحول بطاقات الدفع المسبق، التي رُوّج لها بوصفها بوابة للتطور والتحول الرقمي، إلى واحدة من أكثر التجارب المؤلمة في حياتهم اليومية. فبدل أن تُسهِّل المعاملات المالية، فرضت واقعًا معقدًا، كشف هشاشة البنى التحتية، وضعف الوعي، وانعدام الرقابة، وفسادًا تغلغل في كل خطوة من خطوات هذه المنظومة.

منذ دخول هذه البطاقات إلى السوق، وبخاصة بطاقات الكي كارد، بدأت تتوالى قصص الاختراقات والسرقات. أصبح سماع خبر اختفاء رصيد أو سحب راتب موظف خلال دقائق أمرًا معتادًا، وكأن الأمر جزء من يوميات المواطن لا حدثًا استثنائيًا. ومع ابتعاد الكثيرين عن أساسيات التعامل الآمن، وغياب حملات التوعية الحكومية، وجد القراصنة أنفسهم في ملعب مفتوح، يمارسون فيه شتى الأساليب الاحتيالية.

أكثر تلك الأساليب انتشارًا هو الاتصال المباشر بالضحايا، حيث ينتحل القراصنة صفة موظفين من المصرف أو الدعم الفني، ويخدعون المواطن للحصول على رقمه السري أو رمز التحقق، لتبدأ عملية استنزاف الرصيد بالكامل. هذه الأساليب التي تبدو بدائية في الدول المتقدمة، ما تزال في العراق تحصد ضحايا يوميًا، والسبب ليس التقنية بقدر ما هو الفراغ الرقابي والإداري والجهل المجتمعي في التعامل مع تقنية الحساب الرقمي ،

لكن المشكلة لا تقف عند حدود القرصنة؛ فالمواطن يواجه أيضًا ازدواجية مؤلمة في الاستقطاع. فالمصرف يقتطع مبلغًا عند السحب أو عند حركة الراتب، ثم يأتي المنفذ الذي يُصرف من خلاله ليستقطع مبلغًا آخر بلا رقيب أو قانون واضح. هذه الفوضى المالية التي تُرهق الناس لم تجد من يوقفها، بل أصبحت جزءًا من “النظام” غير المعلن الذي يدفع فيه المواطن الثمن مرتين دون مبرر.

ومع توسع استخدام هذه البطاقات في مجالات حساسة مثل التزود بالوقود واستلام الحصة الوقودية من النفط الأبيض (الكيروسين)، انفجرت أزمة جديدة. بين من يحمل المال نقدا ومن يحمل البطاقات الالكترونية فتعطل الأنظمة، ، وفشل بعض المحطات في الجمع بين الدفع النقدي والإلكتروني، وضع المواطنين أمام مشهد يومي من الاعتراض والتذمر والعجز عن استلام الحصص الوقودية التي تمس حياتهم مباشرة.فغالبية من يستلم وقود التدفئة هم من الفقراء الذين يجهلون استخدام البطاقات او استخدام النظام الالكتروني او الاتصال بالشبكات او تحمل مبلغ الاشتراك من اجل اتمام عملية الاتصال !!

وكل هذا يحدث في ظل إصرار حكومي عجيب على المضي قدمًا في تعميم هذه التجربة دون معالجة أساسياتها، ودون تطوير بنيتها، وكأن الهدف فرض التقنية لا تحسين الخدمة.

أما البعد الأكثر خطورة فهو البعد الأمني. فمع تزايد الجرائم السيبرانية، لم تنجح الجهات الأمنية في تقديم حلول واقعية توقف هذا النزيف. مئات الدعاوى مكدّسة في أدراج الدوائر الأمنية، تتحرك ببطء، أو تبقى بلا متابعة، بينما تتسارع خطوات المحتالين بلا رادع. وتتعقّد الصورة أكثر عندما يكون صاحب الرقم المستخدم في القرصنة خارج العراق، أو في مناطق لا تصلها اليد الأمنية بسهولة، فيتحول ملف الدفع الإلكتروني من مشكلة تقنية إلى ثغرة أمنية واسعة.

إن تجربة بطاقات الدفع المسبق في العراق ليست فشلًا تقنيًا فحسب، بل هي مرآة مكبرة لمنظومة الفساد وسوء الإدارة التي تحيط بالقطاع المالي، وتُخرج المواطن من خانة المستفيد إلى خانة الضحية. التقنية ليست المشكلة؛ المشكلة في من يديرها، ومن يراقبها، ومن يستفيد من فوضاها.

وإلى أن تُفرض قوانين واضحة، وتُطلق منظومة حماية إلكترونية حقيقية، وتُفعل الرقابة على المصارف والمنافذ، ويُحترم المواطن كصاحب حق لا كرقم في طابور طويل… ستبقى بطاقات الدفع المسبق في العراق حقول ألغام، يخسر فيها الناس أموالهم، ويكسب فيها القراصنة والفاسدون، وتظل التجربة الرقمية مجرّد عنوان جميل يخفي وراءه واقعًا مريرًا.
الكاتب والناقد السياسي
حسن درباش..
بغداد 2025/12/8