غربة في أروقة المعرفة: أين نحن من صناعة التاريخ؟
عادل شريف الحسيني
23/08/2026
يحزنني جداً أن نرى بعض أبناء جلدتنا يضيقون ذرعاً بأوطانهم، في الوقت الذي تشيد فيه الشعوب الأخرى أمجادها بالانتماء والمعرفة. منذ أيام، وأنا أعيش أجمل لحظات حياتي متنقلاً في ردهات مكتبة الأرشيف الوطني البريطاني( The National Archives) بين سجلات وتقارير الحكومة البريطانية حول العراق للفترة 1914-1944. هنا، تتجلى لك حقيقة هذا الشعب الذي يعشق تراب بريطانيا؛ حيث يضم هذا الصرح العظيم كافة السجلات، والوثائق التاريخية، والكتب السرية للإمبراطورية البريطانية منذ أكثر من 750 عاماً، محفوظةً بدقة لتبين كيف تُصنع الأمم.
إنها مكتبة مشرعة الأبواب للجميع، ومجهزة بأحدث التقنيات الرقمية لخدمة العلم وصناع القرار. ومنذ أسبوعين، وأنا أتأمل هذا المكان الذي يغصّ بزوار وقراء من شتى بقاع الأرض؛ تراهم من البريطانيين، والهنود، والصينيين، يتسابقون خلف الكلمة والمعلومة. وقبلها، كنت في “المكتبة البريطانية”، “The British Library “ ذلك الصرح العلمي المهيب الذي يتراءى للناظر وكأنه مدينة متكاملة تتنفس ثقافة وفكراً. ولابد هنا من الإشادة بدعم مؤسسة قطر للمكتبة البريطانية وتحويل معظم الكتب والمخطوطات إلى الصيغة الرقمية -انه عملاً جباراً ورائعاً. كذلك هناك جهد متميز من دولة الإمارات العربية كذلك في digitisation رقمنة المخطوطات العربية القديمة.
لكن، وسط هذا الزخم المعرفي الهائل، يداهمني سؤال مؤرق ويملأ نفسي بالأسى: لم أرَ عربياً أو عراقياً واحداً في كلا المكانين، على الرغم من الجالية الضخمة التي تسكن لندن! فبماذا نحن مشغولون؟ وما هو دورنا الحقيقي اليوم في إثراء الحضارة الإنسانية؟ إن الأوطان لا تُبنى بالشكوى، بل بالعقول التي تقرأ، وتتعلم، وتترك بصمتها في سجل التاريخ.
ختاماً، وتوجيهاً لشبابنا القادم وسند مستقبلنا:
إن العتب لا ينبع إلا من محبة، والأسف على غيابكم عن محافل العلم هو نداء لاستعادة مجدٍ كُنا نحن مَن خطّ أولى حروفه في الناصرية وبابل والكوفة والبصرة وبغداد.
