لماذا تخشى بعض الإدارات تطبيق الحوكمة؟

لماذا تخشى بعض الإدارات تطبيق الحوكمة؟

في مقالاتنا السابقة، تحدثنا عن أهمية الحوكمة في بناء المؤسسات، ووضوح الصلاحيات، وتحسين القرارات، واستدامة النجاح المؤسسي بعيداً عن الاعتماد على الأشخاص

واليوم أريد أن نناقش موضوعاً قد يكون أكثر حساسية من المواضيع السابقة، وهو مقاومة تطبيق الحوكمة داخل المؤسسات

فمن خلال العمل في مجال الحوكمة، نلاحظ أن معظم المسؤولين يتفقون على أهميتها من حيث المبدأ، لكن عندما ننتقل من الحديث النظري إلى التطبيق الفعلي، قد تبدأ التحفظات والمخاوف

: وهنا يبرز سؤال يستحق النقاش

لماذا يرحب البعض بالحوكمة عندما تكون عنواناً في مؤتمر أو وثيقة استراتيجية، لكنه يتردد عندما تصبح نظاماً حقيقياً لتنظيم الصلاحيات والقرارات والمساءلة؟

الإجابة ليست دائماً مرتبطة بسوء النوايا أو رفض الإصلاح، فهناك أسباب مختلفة، بعضها إداري وبعضها ثقافي وبعضها يتعلق بطريقة فهم الحوكمة نفسها

دعونا نتناول بعض الأمثلة القريبة من واقع مؤسساتنا

أولاً: عندما تصبح الصلاحيات مرتبطة بالشخص وليس بالمنصب

لنفترض أن مديراً اعتاد لسنوات أن تكون معظم القرارات داخل مؤسسته مرتبطة بموافقته الشخصية

حتى القرارات التشغيلية البسيطة لا تمر دون الرجوع إليه، وأصبح الموظفون يعتقدون أن الطريق الوحيد لإنجاز العمل هو الحصول على موافقته

عندما تبدأ المؤسسة بتطبيق الحوكمة، فإنها ستحتاج إلى تحديد الصلاحيات وتفويض بعضها إلى المستويات الإدارية المناسبة

هنا قد يشعر المدير بأنه يفقد جزءاً من سلطته

لكن الحقيقة أن الحوكمة لا تسحب سلطة الإدارة، وإنما تنظمها وتربطها بالمسؤولية والمساءلة

فالسلطة التي تستند إلى وضوح الصلاحيات أقوى مؤسسياً من السلطة التي تستند إلى اعتماد الجميع على شخص واحد

ثانياً: الخوف من وضوح المسؤولية

في بعض المؤسسات، قد يشارك عدد كبير من المسؤولين في اتخاذ القرار، لكن من الصعب تحديد الشخص المسؤول عن نتيجته

تمر المعاملة عبر عدة أقسام ولجان، ويحمل كل طرف توقيعاً أو تأشيراً، لكن عندما تحدث مشكلة يبدأ تبادل المسؤوليات

الحوكمة الجيدة تحاول معالجة هذا الوضع من خلال تحديد صاحب القرار، والجهة المنفذة، ومن يتابع الأداء، ومن يقدم التقييم المستقل

وقد يثير ذلك قلق بعض المسؤولين، لأن وضوح المسؤولية يعني أن القرارات والنتائج أصبحت قابلة للتتبع والتقييم

: لكن يجب أن نفهم نقطة مهمة

المساءلة لا تعني معاقبة كل من يتخذ قراراً لا يحقق النتائج المتوقعة

فالقرارات الإدارية تتضمن بطبيعتها مخاطر واحتمالات مختلفة

المساءلة العادلة تعني تقييم القرار بناءً على المعلومات المتاحة وقت اتخاذه، والصلاحيات الممنوحة، والإجراءات المتبعة، ومدى معقولية إدارة المخاطر، وليس الحكم عليه من النتيجة وحدها

وإلا فإننا سنخلق مؤسسة يخشى موظفوها اتخاذ أي قرار

ثالثاً: الخلط بين الحوكمة وفقدان المرونة

قد يقول أحد المديرين: نحن ننجز أعمالنا بسرعة، فلماذا نحتاج إلى سياسات ولجان وإجراءات إضافية تعطلنا؟

هذا التساؤل مشروع إذا كان تطبيق الحوكمة سيؤدي فعلاً إلى تعقيد العمل

لكن الحوكمة الصحيحة لا تعني زيادة الإجراءات دون مبرر

لنفترض أن مؤسسة تحتاج إلى موافقة المدير العام على جميع المشتريات، مهما كانت قيمتها

هل الأفضل أن يستمر المدير بتوقيع مئات الطلبات الصغيرة، أم أن يتم تحديد صلاحيات مالية واضحة تسمح للمديرين المختصين بالموافقة ضمن حدود معينة، مع وجود رقابة وتقارير دورية؟

في الحالة الثانية، قد تصبح المؤسسة أسرع وأكثر انضباطاً في الوقت نفسه

الحوكمة الجيدة لا تعطل القرار، بل تمنع أن تكون سرعة القرار معتمدة على تجاوز الإجراءات أو العلاقات الشخصية

رابعاً: الخوف من الشفافية وقياس الأداء

عندما لا توجد مؤشرات واضحة للأداء، قد يصبح من السهل الإعلان عن نجاح المشاريع بناءً على إنجاز الأنشطة فقط

تم توقيع العقد

تم تشكيل اللجنة

تم عقد الاجتماعات

تم شراء النظام

تم افتتاح المشروع

لكن ماذا عن النتائج؟

هل تحسنت الخدمة؟

هل انخفضت الكلفة؟

هل تحقق العائد المتوقع؟

هل تمت معالجة المشكلة التي أُطلق المشروع من أجلها؟

عندما نطبق الحوكمة، نبدأ بربط القرارات بالأهداف وقياس النتائج

وهنا قد تظهر فجوة بين ما نعلنه من إنجازات وما تحقق فعلياً

وهذا لا يعني بالضرورة وجود فساد أو سوء إدارة، فقد يكون السبب ضعف التخطيط أو غياب مؤشرات الأداء أو عدم وضوح المسؤوليات

لكن الشفافية تجعل هذه الفجوات مرئية، وتسمح بمعالجتها بدلاً من استمرارها

خامساً: مقاومة التغيير بسبب تجارب سابقة

ليس كل من يتحفظ على الحوكمة يخشى المساءلة أو فقدان النفوذ

بعض الإدارات مرت بتجارب مع مشاريع استشارية انتهت بإعداد مئات الصفحات من السياسات والإجراءات، دون أن يحدث تغيير ملموس في طريقة العمل

وقد شاهدت لجاناً جديدة تُضاف إلى لجان قائمة، وتقارير جديدة يُطلب إعدادها دون الاستفادة من نتائجها

من الطبيعي أن تتساءل هذه الإدارات عن جدوى تكرار التجربة

وهنا تقع مسؤولية مهمة على المختصين والاستشاريين في مجال الحوكمة

فنجاح مشروع الحوكمة لا يُقاس بعدد السياسات التي نكتبها، بل بمدى استخدامها وتأثيرها في جودة القرارات وكفاءة المؤسسة

ومن الخطأ أن نحاول تطبيق النموذج نفسه على جميع المؤسسات دون مراعاة حجمها وطبيعة أعمالها ومستوى نضجها والمخاطر التي تواجهها

سادساً: عندما تكشف الحوكمة مشكلات كانت مخفية

قد تبدأ مؤسسة مشروعاً لتطبيق الحوكمة، فتكتشف خلال تقييم الوضع الحالي أن هناك تداخلاً بين صلاحيات الإدارات، أو قرارات تُتخذ دون توثيق كافٍ، أو مشاريع لا تمتلك أهدافاً قابلة للقياس

وقد تظهر أيضاً حالات يكون فيها شخص واحد مسؤولاً عن التنفيذ والموافقة والرقابة على العمل نفسه

هذه النتائج قد تثير حساسية داخل المؤسسة

لكن علينا أن ننظر إليها بوصفها فرصة للإصلاح، لا اتهاماً مسبقاً للأشخاص

فالهدف من تقييم الحوكمة هو معرفة أين توجد نقاط الضعف وكيف يمكن معالجتها، وليس البحث عن أشخاص لتحميلهم مسؤولية كل مشكلة

كيف نجعل الإدارات تتبنى الحوكمة بدلاً من مقاومتها؟

من وجهة نظري، يبدأ الأمر بتغيير الطريقة التي نقدم بها الحوكمة للمؤسسات

بدلاً من أن نبدأ بالحديث عن القيود واللجان والتقارير، علينا أن نوضح كيف تساعد الحوكمة المدير على اتخاذ قرارات أفضل، وتفويض الصلاحيات بثقة، وتقليل المخاطر، وحماية المؤسسة واستدامة نتائجها

كما ينبغي إشراك الإدارات والموظفين في تصميم الإجراءات، والاستماع إلى المشكلات التشغيلية الفعلية، والتدرج في التطبيق، وإظهار نتائج ملموسة يمكن قياسها

فالموظف الذي يرى أن الحوكمة ساعدته على تقليل الموافقات غير الضرورية، وتوضيح مسؤولياته، وحل التعارض بين الأقسام، سيكون أكثر استعداداً لدعمها

أما إذا شعر أنها مجرد طبقة إدارية جديدة، فمن الطبيعي أن يقاومها

الخلاصة

ليست كل مقاومة للحوكمة دليلاً على رفض الشفافية، وليست كل مطالبة بتطبيق الحوكمة دليلاً على فهمها الصحيح

فبعض الإدارات قد تخشى فقدان صلاحيات اعتادت ممارستها، وبعضها قد يقلق من المساءلة، وبعضها الآخر يخشى تعقيد العمل نتيجة تجارب سابقة غير ناجحة

لكن الحوكمة الناضجة لا تهدف إلى إضعاف الإدارة أو تقييد المبادرة، بل إلى بناء منظومة تمنح المسؤولين الصلاحيات المناسبة، وتساعدهم على اتخاذ القرارات بثقة، وتوضح مسؤولياتهم وتحمي استمرارية المؤسسة

وأعتقد أن أحد أهم اختبارات نجاح الحوكمة هو أن يشعر المدير بأنها تساعده على أداء مسؤولياته بصورة أفضل، لا أنها مجرد نظام إضافي لمراقبته

ومع التوجه المتزايد نحو تطبيق الحوكمة في مؤسساتنا العراقية، فإن التحدي الحقيقي لن يكون فقط في إصدار التعليمات أو تشكيل الهياكل التنظيمية، بل في بناء ثقافة مؤسسية تؤمن بأن وضوح القرار والمساءلة والشفافية عناصر قوة، وليست تهديداً للمناصب والصلاحيات

: ويبقى السؤال الأهم

هل نحن مستعدون لتطبيق الحوكمة عندما تبدأ بتنظيم صلاحياتنا وقراراتنا نحن، أم أننا نفضل تطبيقها على الآخرين فقط؟

#الحوكمة #الإصلاح_المؤسسي #القيادة_الإدارية #الشفافية #المساءلة #التحول_الرقمي #العراق